قبل مجلس النقد: ما هو نظام سعر الصرف القائم في لبنان؟ -- Sep 09 , 2026 232
قبل أن نسأل ما إذا كان لبنان يحتاج إلى مجلس للنقد، يجب أن نجيب عن سؤال أبسط في ظاهره وأكثر تعقيداً في حقيقته: ما هو النظام النقدي ونظام سعر الصرف اللذان يعمل لبنان في ظلّهما اليوم؟.
ذلكَ أنَّ الخلط بين النظام النقدي وسعر الصرف هو الذي يسمح بطرح حلول كبيرة على مشكلة لم يجرِ تحديدها بعد. فسعر الصرف رقم. أمّا النظام النقدي فهو القانون والمؤسسات والقواعد التي تحدّد من يصدر العملة، وبأيّ مقابل، ومن يحدّد قيمتها، وكيف تُدار الاحتياطات والسيولة، وما حدود تمويل الدولة وقابلية تحويل العملة. وبهذا المعنى، لا يكفي أن يعلن مصرف لبنان أنّ الدولار يساوي 89500 ليرة حتى يصبح للبنان نظام سعر صرف واضح.
ما الذي يقوله القانون اللبناني؟
ينبغي أن نبدأ من النصّ لا من الممارسة. فالمادة الثانية من قانون النقد والتسليف نصّت على أن "يحدّد القانون قيمة الليرة اللبنانية بالذهب الخالص". ولمّا كان تحديد التعادلية الذهبية الجديدة معلّقاً على اتفاق مع صندوق النقد الدولي، أجازت المادة 229 في فقرتها الأولى لوزير المالية أن يتّخذ إجراءات انتقالية ريثما يصدر القانون المنصوص عليه في المادة الثانية.
وقد تولّت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل تفكيك هذا المسار في استشارتها رقم 438/2023، الصادرة بناءً على كتاب وزير الاتصالات في شأن سعر الصرف الرسمي الواجب اعتماده في تنفيذ عقد مصالحة. وخلصت الهيئة إلى ثلاث نتائج متتابعة يقتضي عرضها بترتيبها.
النتيجة الأولى أنَّ "تحديد سعر الصرف يدخل في النطاق التشريعي، إذ يعود لمجلس النواب أو مَن يفوّضه تحديد سعر الصرف واجب التطبيق"، استناداً إلى المادة الثانية من قانون النقد والتسليف. فالمرجع في اختيار قاعدة السعر هو المشترع، لا السلطة التنظيمية.
والنتيجة الثانية أنَّ وزير المالية حدّد السعر القانوني مرّتين لا مرّة واحدة. فحدّده أوّلاً استناداً إلى التفويض التشريعي في المادة 229 بمقدار 308 قروش للدولار، ونصّ على شموله المسائل كافّة بما فيها الضرائب والرسوم. ثمّ حدّده ثانياً استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم 1/11 المصدَّق بالقانون المنشور بالمرسوم رقم 6104 تاريخ 5 تشرين الأول 1973، فجعله "متوسّط الأسعار الفعلية في سوق بيروت" بموجب القرار رقم 883 تاريخ 28 آذار 1973.
النتيجة الثالثة، وهي الأهمّ: أنَّ السعر القانوني الانتقالي الأوّل قد أُلغي، وأنّ مهلة الستّة أشهر الممنوحة لمجلس الوزراء بموجب القانون المنشور بالمرسوم رقم 6105 انصرمت من دون أن يمارس التفويض ومن دون أن يحدّد سعراً انتقالياً جديداً.
ويترتّب على ذلك، بحسب الهيئة، أنّ "سعر الصرف الفعلي المنصوص عنه في القانون المنشور بالمرسوم رقم 6104 مستوجب التطبيق في المسائل كافّة"، وأنّ "سعر الصرف القانوني هو سعر السوق الحرّة" سواء في ما يتعلّق بحسابات مصرف لبنان أو باستيفاء الضرائب والرسوم أو بغيرها من المسائل.
وهذه النتيجة تقلب النقاش رأساً على عقب، فالقاعدة القانونية النافذة في لبنان ليست سعراً ثابتاً بل سعر السوق. ومجلس النقد يقوم على المبدأ المعاكس تماماً: تعادلية ثابتة تحلّ محلّ السوق. فمن يقترح مجلس نقد لا يقترح تعديلاً في الرقم، بل انقلاباً في القاعدة، وهو انقلابٌ لا يجوز أن يجري إلّا بقانون، كما تقول الهيئة نفسها.
نظام لا هو تعويم ولا هو تثبيت مكتمل
وإذا انتقلنا من النصّ إلى الممارسة، وجدنا أنّ لبنان كان يدير قبل سنة 2019 ربطاً مستقراً حول 1507.5 ليرة للدولار. وقد قام هذا الربط على تدفّق العملات الأجنبية إلى المصارف، ثمّ توظيف قسم كبير منها لدى مصرف لبنان، الذي استخدمها للمحافظة على السعر، وتمويل حاجات الدولة الخارجية، وتغطية الاستيراد، والحفاظ على الاعتقاد بأنّ الوديعة بالدولار قابلة للتحويل إلى دولار فعلي.
وحين توقّفت التدفّقات، لم ينتقل لبنان إلى تعويم حرّ، بل نشأ نظام إداري مجزّأ: سعر رسمي، وسعر منصّة، وسعر سوق نقدية، وأسعار للسحوبات والاستيراد والعمليات المصرفية. ثمّ تراجع تعدّد الأرقام الرسمية واستقرّ السعر المعلن عند 89500 ليرة. غير أنّ تعدّد الأرقام شيء وتعدّد الحقوق شيء آخر، والثاني لم ينتهِ.
فالدولار النقدي ليس الوديعة القديمة، والأموال الجديدة ليست الأموال غير النقدية، والحساب القابل للتحويل ليس الحساب الخاضع لسقوف التعميمين 158 و166. ويكفي لتبيان ذلك أنّ التعميم الوسيط رقم 657، المتضمّن القرار رقم 13526 تاريخ 20 كانون الثاني 2023، ألزم المصارف بأن تدفع للمودع، بموافقته، ما يستحقّ له بالعملات الأجنبية بالليرة على أساس 15000 ليرة للدولار، أي أنّ الوديعة الواحدة صارت تُقوَّم بسعرٍ يختلف باختلاف قناة الدفع.
وعلى هذا النهج صدر التعميم الأساسي رقم 169، المتضمّن القرار الأساسي رقم 13729 تاريخ الأوّل من تموز 2025، فأبقى تسديد الودائع بالعملات الأجنبية المنشأة قبل السابع عشر من تشرين الأول 2019 وفوق السقوف خاضعاً لموافقة مصرف لبنان الخطّية المسبقة، مع مراعاة أحكام القانون رقم 283 تاريخ 12 نيسان 2022؛ وقد عُدّلت مادته الأولى لاحقاً بالقرار الوسيط رقم 13799 تاريخ 21 كانون الثاني 2026.
وبناءً على ما تقدّم، يمكن وصف النظام الحالي بأنّه، سعر مرجعي مُدار وثابت عملياً، داخل نظام مالي مجزّأ تختلف فيه قابلية الوصول إلى الدولار بحسب الحساب ومصدر المال والقناة التنظيمية. أي إنّ لبنان لا يملك تعويماً حرّاً، ولا ربطاً تقليدياً مكتمل القواعد، ولا مجلس نقد، ولا سوقاً موحّدة للقطع.
سعر 89500 معتمد لا سعر مكتشف
ولا يصحّ القول إنّ هذا السعر لا سند له، فقد اعتُمد في ميزانية مصرف لبنان بموجب قرار المجلس المركزي رقم 48/4/24 تاريخ 15 شباط 2024، وطُبِّق على الوضعية المالية من 31 كانون الثاني 2024. كما ألزم التعميم الأساسي رقم 167، المتضمّن القرار الأساسي رقم 13612 تاريخ 2 شباط 2024، المصارف والمؤسسات المالية بتطبيق المعيار المحاسبي الدولي رقم 21 وباعتماد سعر المنصّة عند ترجمة الموجودات والمطلوبات.
غير أنَّ وجود سند تنظيمي ومحاسبي لا يجيب عن منهجية تكوين الرقم: ما حجم التداول الذي أنتجه؟ وأين نُشرت أوامر العرض والطلب؟ وهل تكوّن في سوق مفتوحة؟ وهل هو سعر توازن أم سعر تثبيت؟ وما الظروف التي تبرّر تعديله؟ وهنا يقع الفرق بين السعر المعتمد والسعر المكتشف؛ فالسوق الحقيقية لا تكتفي بنشر رقم، بل تكشف أحجام التداول والأوامر والسيولة وهوامش البيع والشراء وآلية التدخّل.
ويكفي لتبيان ذلك أن نتتبّع مسار الرقم نفسه: فآخر تداول مسجَّل على منصّة صيرفة كان في 31 تموز 2023 عند 85500 ليرة بحجم ستّين مليون دولار، وهو اليوم الأخير في ولاية الحاكم السابق. ثمّ ظهر في 19 كانون الأول 2023 قيدٌ سعريّ وحيد عند 89500 بلا حجم تداول، ولم يُسجَّل بعده شيء. ثمّ اعتُمد هذا الرقم عينه سعراً رسمياً في 15 شباط 2024. أي أنّ الرقم ظهر أوّلاً بلا سوق، ثمّ صار سعراً للنظام كلّه.
سابقة منصّة بلومبرغ
وفي هذا السياق تحديداً تجدر العودة إلى سابقة قريبة. ففي السابع من أيلول 2023 وافق مجلس الوزراء على الانتقال من صيرفة إلى منصّة تديرها أو توفّر تقنيتها شركة بلومبرغ، وكان الهدف المعلن إنشاء سوق أكثر شفافية. لكنّ المبادرة لم تتحوّل إلى منصّة جملة معلنة الأحجام والأوامر، ولم يُنشَر من خلالها منحنى عرض وطلب يفسّر تكوّن السعر، ولم يُعثر على خبر بإطلاقها في سنة 2025 أو 2026.
والوصف الأمين لما جرى أنّها تجربة إصلاح أُعلنت قبل استكمال شروطها التشغيلية، ثمّ استمرّت السياسة القائمة من دون أن تظهر سوق شفافة لاكتشاف السعر. ومن هنا تأتي المقارنة مع طرح مجلس النقد: فالخطر ليس في دراسة المشروع، بل في إعلان انتقال كبير قبل نشر القانون والميزانية الافتتاحية والوعاء وقواعد التحويل.
ما الذي طلبه صندوق النقد الدولي؟
لم يطلب الصندوق اعتماد مجلس نقد، ولم يرفضه بوصفه خياراً نهائياً. وقد وضع في تقرير مشاورات المادة الرابعة لسنة 2023 تسلسلاً من مرحلتين. ففي المرحلة الانتقالية طلب توحيد سعر الصرف للعمليات المسموح بها بوصفه "خطوة أولى حاسمة"، وإلغاء تعاميم مصرف لبنان "التي أنشأت نظاماً من أسعار الصرف المتعدّدة"، وإقامة "منصّة تداول سليمة… يجري فيها اكتشاف السعر والتداول بأحجام كبيرة للعمليات المسموح بها".
أمّا في شأن النظام النهائي فقد قال إنَّ "القرار في شأن نظام نقدي جديد ينبغي أن يُتَّخذ متى أُنجزت العمليات الانتقالية الكبرى المعلّقة وتحقّق قدرٌ من الاستقرار"؛ أي إنّه ترك الاختيار بين التعويم والربط وغيرهما إلى مرحلة لاحقة.
وعليه، فإنّ الترتيب الذي اقترحه الصندوق هو: توحيد السوق، وإظهار الخسائر، وإعادة هيكلة النظام، ثمّ اختيار المرساة النقدية. أمّا طرح مجلس النقد الآن فيقدّم اختيار المرساة على الشروط التي قال الصندوق إنّها يجب أن تسبقه. وهذا لا يجعله مخالفاً للصندوق حكماً، لكنّه يجعل السؤال مشروعاً: هل يُطرح مجلس النقد مكمّلاً لمسار الإصلاح، أم اختصاراً له؟
مجلس النقد ليس رقماً للاحتياط
يقوم مجلس النقد على تعادلية ثابتة مع عملة ارتكاز، وعلى التزامٍ بالتحويل عند الطلب، وعلى تغطية المطلوبات التي يحدّدها القانون بأصول أجنبية مؤهّلة. غير أنّ التجارب لا تعتمد وعاءً واحداً، والفارق بينها جوهريّ لا تفصيليّ.
فهونغ كونغ تغطّي عملياً القاعدة النقدية لا الأوراق النقدية وحدها، وإن كان نصّها المكتوب لا يوجب سوى تغطية شهادات المديونية. وبلغاريا كانت تغطّي كامل مطلوبات المصرف النقدية، بما فيها احتياطيات المصارف وودائع الحكومة، قبل أن تنتقل إلى اليورو في الأوّل من كانون الثاني 2026. والبوسنة والهرسك تشترط ألّا تتجاوز المطلوبات النقدية الإجمالية صافي الاحتياطيات الأجنبية، وتُدخل في هذه المطلوبات ودائع الدولة والمؤسسات العامة والمصارف. أمّا جيبوتي، حيث يكتفي القانون بتغطية النقد المتداول، فقد أوصى صندوق النقد الدولي في مشاورات سنة 2025 بتوسيع الوعاء "ليشمل القاعدة النقدية وودائع الحكومة"، بعدما بلغت التغطية 108.7% للنقد المتداول و67.2% فقط للقاعدة النقدية.
ولهذا لا يكفي القول إنّ لبنان يحتاج إلى نحو 800 مليون دولار. فهذا الرقم يفوق النقد المتداول البالغ 628.3 مليون دولار في 15 آب 2026 بنحو الربع، ولا يجيب إلّا إذا تقرّر أنّ المجلس سيغطّي الأوراق النقدية وحدها. أمّا إذا شمل الغطاء احتياطيات المصارف أو حساباتها القابلة للدفع أو ودائع الحكومة، فترتفع الحاجة إلى العملات الأجنبية ارتفاعاً جوهرياً.
وثمّة بندٌ واحد لا يحتاج إلى أيّ تفكيك، وهو منشور على حدة وبالليرة اللبنانية: ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان. وهي في بيان الوضع المالي في 15 آب 2026 نحو 920.14 ألف مليار ليرة؛ أي ما يعادل 10.281 مليار دولار بسعر 89500 ليرة في مقابل موجودات احتياطية قدرها 11.615 مليار دولار، ونقدٍ متداول قدره 56.23 ألف مليار ليرة. أي أنّ وديعة الدولة وحدها تعادل نحو 88.5% من الموجودات الاحتياطية، وتفوق النقد المتداول بستّة عشر ضعفاً. وقد نبّه البنك الدولي في تقريره لخريف 2024، حين كانت هذه الودائع 529.3 ألف مليار ليرة، إلى أنّ إنفاقها "من شأنه أن يوسّع السيولة بالليرة ويضغط على سعر الصرف".
ويقتضي التنويه بأنّ هذه ليست مقاصّة قانونية بين مطلوبٍ بالليرة وموجودٍ بالعملات الأجنبية، ولا إثباتاً بأنّ الاحتياطي مرهون؛ بل قراءة لميزانية واحدة على جانبيها. غير أنّها كافية لتغيير موضع السؤال: فما هو اليوم ضغطٌ على السعر يصبح؛ تحت مجلس نقدٍ يقتصر على الأوراق النقدية؛ إمّا منعاً للإنفاق العام وإمّا خرقاً لقاعدة التغطية.
أمّا سائر الأرقام المنشورة فلا تسمح بإسقاط نموذج دولة أخرى بصورة آلية. فبند ودائع القطاع المالي، البالغ نحو 80.30 مليار دولار، بندٌ مركّب قد يضمّ الاحتياطي الإلزامي والتوظيفات وشهادات الإيداع، بعملات وآجال وخصائص قانونية مختلفة، ولا يجوز تحويله آلياً إلى ما يعادل القاعدة النقدية في هونغ كونغ قبل تفكيكه بحسب العملة والأجل والطبيعة القانونية وقابلية التحويل.
وعليه، فإنّ السؤال الصحيح ليس: هل يكفي الاحتياط لتغطية النقد المتداول؟ بل أيّ مطلوبات سيغطّيها المجلس، وأيّ مطلوبات ستُترك خارج جدار التحويل؟
الميزانية القديمة والميزانية الجديدة
يمكن قانوناً إنشاء مجلس نقد بميزانية افتتاحية نظيفة، وترك مطلوبات مصرف لبنان القديمة في كيان أو حساب قديم منفصل. غير أنّ هذا الفصل لا يحلّ الأزمة، لأنّه لا يُسقط الالتزامات ولا يحسم أصحابها ولا مصادر سدادها. فما ينشأ عنه هو ليرة جديدة مغطّاة وقابلة للتحويل، إلى جانب ودائع مصرفية قديمة مقيّدة، ومطالبات للمصارف على مصرف لبنان، ومطالبات لمصرف لبنان على الدولة، وخسائر لم تُحدَّد كيفية توزيعها.
وهكذا يصبح مجلس النقد منضبطاً في المستقبل، بينما يبقى الماضي بلا تسوية. ولهذا يجب، قبل أيّ مشروع، نشر ميزانيتين: الميزانية التي ستنتقل إلى المجلس، والميزانية التي ستبقى خارجه مع تحديد أصحاب الحقوق ومصادر السداد.
الدولة ومصرف لبنان.. لإثبات قبل التسوية
لم يجعل قانون النقد والتسليف مصرف لبنان ممولاً مفتوحاً للدولة. فالأصل، وفق المادتين 85 و97، أن ينفّذ مدفوعات الدولة في حدود موجوداتها لديه أو من مؤونات تودعها مسبقاً. أمّا التسليف فاستثناء يخضع لشروط المواد 88 إلى 96، بما فيها السقف والأجل والفائدة والعقد والإجراءات المؤسسية. وفي المقابل، يستطيع مصرف لبنان التعامل بسندات الدولة ضمن أدوات السياسة النقدية، غير أنّ المادة 107 تمنع أن تجري هذه العمليات لمصلحة الخزينة، والمادة 109 تمرّرها عبر المصارف والمؤسسات المالية. فالعبرة إذاً بطبيعة العملية وغايتها والطرف المقابل.
ويترتّب على ذلك أنّ السحب على المكشوف الظاهر بنحو 16.5 مليار دولار لا يتحوّل إلى دين نهائي بمجرّد ظهوره في الميزانية، بل يجب تحديد العمليات التي كوّنته، وما إذا كانت وكالةً ضمن رصيد أم تمويلاً من موارد المصرف.
كما يجب فصله عن فئتين مختلفتين في الطبيعة: الأولى عمليات المبادلة (swaps) والهندسات وسندات اليوروبوند، وهي تتعلّق بتحويل أدوات السياسة النقدية إلى قناة تمويل أو بتغيير عملة الدين ومخاطره. والثانية الأموال الخاصة السالبة والحاجة إلى رسملة مصرف لبنان.
المال العام والقنوات غير المصرفية
والمشكلة لا تبدأ عند خروج الأموال من مصرف لبنان فحسب، بل أيضاً عند دخولها إلى النظام المالي. فمنذ سنة 2019 لم تعد إدارة القطع محصورة في العلاقة بين مصرف لبنان والمصارف، بل اتّسعت البنية التشغيلية لتشمل مؤسسات الصرافة وشركات تحويل الأموال والمحافظ الإلكترونية وشركات المدفوعات ووكلاء تحصيل الضرائب والرسوم.
وتُظهر سلسلة التعاميم أنّ هذه الجهات نُظّمت بوصفها بوابات للقطع والمدفوعات. فالتعميم الوسيط رقم 546، المتضمّن القرار رقم 13207 تاريخ 6 آذار 2020، فرض على مؤسسات الصرافة سقوفاً وهوامش في تسعير القطع، وتلاه التعميم الوسيط رقم 553 (القرار 13223 تاريخ 27 نيسان 2020) الذي حدّد أسعار البيع والهوامش لمدّة معيّنة. وفي 16 نيسان 2020 صدر التعميم الوسيط رقم 551، المتضمّن القرار رقم 13220 المعدِّل للقرار الأساسي 7548، والموجَّه أيضاً إلى المؤسسات التي تقوم بالعمليات المالية والمصرفية الإلكترونية، فألزم شركات التحويل غير المصرفية بتسديد التحويلات الواردة بالليرة اللبنانية وبيع العملات الأجنبية لمصرف لبنان.
ثمّ جاءت مرحلة المنصّة الإلكترونية، فصدر في العاشر من أيار 2021 التعميم الأساسي رقم 157 (القرار الأساسي 13324) الذي جعل مشاركة المصارف في المنصّة "حكماً"، وفي اليوم نفسه التعميم الوسيط رقم 583 (القرار 13326) الذي وضع قواعد التداول وسقف الهوامش لمؤسسات الصرافة المشاركة، ثمّ التعميم الوسيط رقم 587 (القرار 13337 تاريخ 21 حزيران 2021) الذي فرض التبليغ اليومي عن أرصدة الافتتاح والإقفال.
ويُستفاد من هذا التسلسل أنّ السياسة النقدية لم تعد محصورة في سعر الفائدة والاحتياط المصرفي، بل صارت تشمل التحكّم بمسارات دخول الدولار إلى السوق وانتقاله بين الوسطاء والمصارف ومصرف لبنان. وأنّ هذه البنية كلّها بُنيت بالتعاميم لا بالقانون.
أمّا في قناة التحصيل، فإنّ شركات تحويل ومؤسسات غير مصرفية تتولّى تحصيل الضرائب والرسوم لحساب وزارة المالية، ثمّ تمرّ الأموال عبر حساباتها لدى المصارف قبل وصولها إلى حساب الخزينة لدى مصرف لبنان. ويفرض المرسوم رقم 12641 لسنة 2023 في مادته الرابعة، البند الثامن، تحويل الحصيلة ثلاث مرّات أسبوعياً، ويحدّد في البند الحادي عشر غرامة التأخير بمعدّل فائدة سندات الخزينة لثلاثة أشهر وبحدٍّ أدنى خمسمئة ألف ليرة.
بينما تظهر الممارسة في الحقيقة وجود تأخير ومشكلات مطابقة وفروق في معالجة الأموال الجديدة والجارية. والأهم أن جزاء المرتبط بعائد سندات الخزينة لثلاثة أشهر، والمقدَّر بنحو 3.5% ؛ معدّلُ فائدة على الليلة الواحدة (overnight) قارب 100% في فترات من تلك السنة وتجاوز 130% في الذروة. ولا تكفي البيانات المتاحة لتحديد هوية المستفيد أو مقدار الأرباح المحقّقة، لكنّها تكفي لإثبات وجود ثغرة وحافز وفجوة رقابية تستوجب تدقيقاً مستقلاً.
ومجلس النقد لا يعالج هذه القناة تلقائياً. فقد يضبط إصدار الليرة، فيما تبقى مهل تحويل الضرائب، وحسابات الوسطاء، وملكية الفوائد الناتجة، والمطابقة بين الشركات والمصارف ووزارة المالية ومصرف لبنان، خارج قانون المجلس. وعندها يتحقّق انضباط في إصدار النقد من دون انضباط مماثل في إدارة المال العام.
مسألة التصميم
ومجلس النقد، في أصله، يحدّ من السلطة التقديرية ولا يحميها. فهو يمنع إصدار النقد غير المغطّى، ويقيّد تمويل الدولة، ويضع قاعدة تحويل معلنة. فالمسألة إذاً ليست في طبيعة الأداة، بل في نطاق تطبيقها.
فإذا اقتصر المجلس على الأوراق النقدية الجديدة، وبقيت خارجه الودائع القديمة وتوظيفات المصارف وعلاقة الدولة بمصرف لبنان وقنوات التحصيل وحسابات السيولة العامة، أمكن أن يمنح النظامَ واجهةً نقدية منضبطة فيما تستمرّ البنية القديمة خارجه. وهذه مخاطرة في التصميم لا في المبدأ، ولا سبيل إلى تبديدها إلّا بنشر المشروع وميزانيته وقواعده قبل أيّ ترويج له.
شروط المجلس القابل للحياة
ولا يصبح مجلس النقد خياراً جدياً قابلاً للتقييم قبل تحديد عملة الارتكاز والتعادلية، وتعريف المطلوبات المغطّاة ونسبة التغطية، وتحديد الأصول المؤهّلة والمستبعدة، والمعاملة القانونية لودائع الحكومة واحتياطيات المصارف، وتدقيق ميزانية مصرف لبنان، وتحديد ديون الدولة ومطلوبات المصرف تجاه المصارف، وإعادة هيكلة المصارف وحسم مصير الودائع، وإصلاح حساب الخزينة والتحويل اليومي للإيرادات، ومنع التمويل النقدي، وتحديد حدود المقرض الأخير؛ مصرف لبنان؛ وآلية الخروج.
ويجب الحذر خصوصاً من إدخال المطالبات على الدولة ضمن الغطاء. فقد أجازت المادة 33 من النظام الأساسي للمصرف المركزي الأرجنتيني، الصادر بالقانون رقم 24.144 لسنة 1992، أن يتألّف "حتى ثلث" الاحتياطي الحرّ من سندات عامة مقوَّمة بسعر السوق، وبقي هذا الحدّ من دون تخفيض حتى انهيار الترتيب في 2001–2002. والدرس مباشر للبنان: لا يمكن للعملة أن تكون مغطّاة بأصلٍ يعتمد سداده على الجهة نفسها التي يحتاج النظام إلى حمايته منها.
ليس المطلوب رفض مجلس النقد
مجلس النقد أحد الخيارات التي تستحقّ الدراسة، وقد يكون صالحاً في مرحلة لاحقة إذا نُظِّفت الميزانية وحُدِّدت الحقوق وفُرض الانضباط المالي. غير أنّ البداية لا تكون باختيار اسم النظام.
البداية تكون بتحديد النظام القائم، وسدّ الفراغ الذي تركته المادة الثانية منذ 1963، ومعالجة ما انتهت إليه هيئة التشريع والاستشارات من أنّ السعر القانوني النافذ هو سعر السوق الحرّة بموجب قانونٍ يعود إلى سنة 1973، وإظهار طريقة تكوين سعر 89500، وإنشاء سوق انتقالية شفافة، وتحديد المطلوبات، وفصل المال العام عن أموال الوسطاء، وحسم العلاقة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف. فإذا حصل ذلك، أمكن اختيار مجلس النقد أو غيره على أساس علمي وقانوني.
أمّا إنشاء مجلس جديد قبل ذلك، فقد لا يعالج الأزمة بل يقسمها إلى قسمين: نظام نقدي جديد منضبط، ونظام مالي قديم تبقى خسائره وحقوقه معلّقة خارج المجلس.
مهدي الحسيني - المدن